الرياضة...علم ومال...
كتب د. ناصر العباسي/ القدس
الرياضة الحديثة لم تعد مجرد ملاعب ولاعبين وبطولات، بل أصبحت علماً وإدارة ومالاً، ومن يريد رياضة قادرة على المنافسة وصناعة الإنجاز، عليه أن يدرك أن الطريق لا يبدأ من الملعب فقط، بل من غرفة التخطيط، ولا يمكن الحديث عن تطور رياضي حقيقي من دون تخطيط استراتيجي واضح، وخطط قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وأهداف قابلة للقياس، ومؤشرات تحدد ما تحقق وما يحتاج إلى مراجعة.
وهذا كله يتطلب إدارات تمتلك المعرفة والخبرة، وتؤمن بأن الإدارة الرياضية علم له أسسه وأدواته، وليست مجرد اجتهادات فردية أو قرارات مرتبطة بالموسم والظرف.
وفي المقابل، لا يمكن للكفاءات التي رحل العديد منها أن تعمل بمعزل عن الإمكانات، فالخطط مهما كانت متقدمة تحتاج إلى مصادر مالية مستقرة ومستدامة تحول الأفكار إلى برامج ومشروعات وإنجازات.
ومن هنا يصبح المال شريكاً أساسيا في صناعة الرياضة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن التخطيط والكفاءة، والمشكلة في واقعنا الرياضي الفلسطيني أن البحث عن التمويل يسبق أحياناً البحث عن الرؤية، وكأن استقطاب شركة أو رجل أعمال أو جهة داعمة قادر وحده على حل المشكلات وتوفير الاحتياجات، حتى في غياب خطة واضحة تحدد الأولويات والأهداف ومراحل التنفيذ.
وهنا تحديداً يجب أن نعيد ترتيب المعادلة لذلك لا نريد مالاً بلا خطة، ولا خطة بلا مال. فالقطاع الخاص شريك حقيقي ومهم، والاستثمار الرياضي أصبح ضرورة في عالم تحولت فيه الرياضة إلى صناعة متكاملة، لكن المستثمر يحتاج إلى منظومة مهنية واضحة، يعرف من خلالها أين ستذهب أمواله، وما النتائج المتوقعة منها، وكيف يمكن قياس أثرها. فالتمويل الناجح ليس ذلك الذي يغطي احتياجات موسم واحد، وإنما الذي يساهم في بناء مشروع رياضي قادر على الاستمرار والنمو.
والرياضة العالمية اليوم تتطور بسرعة هائلة، مستفيدة من التكنولوجيا والبيانات والتحليل والذكاء الاصطناعي في تطوير الأداء، واكتشاف المواهب، وإدارة الفرق والمنشآت، وصناعة القرار الرياضي. وهذا التطور يفرض علينا أن ننتقل من إدارة الأزمات إلى إدارة المستقبل، وأن نعطي الكفاءات المتخصصة دورًا أكبر في صناعة القرار، وأن نضع الخطط قبل أن نبحث عن مصادر تمويلها، لا أن نبحث عن المال أولًا ثم نفكر لاحقًا في كيفية استخدامه.
الواقع الفلسطيني اعتاد مواجهة الأزمات، والقدرة على الصمود وتحقيق بعض الإنجازات رغم صعوبة الظروف، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أكثر من الصمود؛ تحتاج إلى رؤية علمية، وكفاءات حقيقية، وموارد مالية مستدامة، والمال يستطيع شراء الأدوات، لكنه لا يشتري الرؤية، والكفاءة تستطيع رسم الطريق، لكنها تحتاج إلى موارد تسير بها، ومن هنا فإن مستقبل الرياضة الفلسطينية لن يُبنى بكثرة الأموال وحدها، ولا بكثرة الخطط وحدها، وإنما بمنظومة تجمع العلم بالمال، والكفاءة بالاستثمار، والتخطيط بالعمل، وعندها فقط يمكن أن يتحول الدعم من إنفاق مؤقت إلى استثمار حقيقي في مستقبل الرياضة الفلسطينية.