نايف الحطاب سيرة شهيد الحركة الرياضية حمل الشجاعية وفلسطين في قلبه
كتب خالد القواسمي - فلسطين
في فلسطين ليست كرة القدم مجرد لعبة وليس الملعب مساحة تتسع لتسعين دقيقة فقط فهنا تتحول المباريات الى ذاكرة والقمصان الى رايات والرحلات الى مواقف وطنية تختصر حكاية شعب بأكمله .
من هذه الارض خرج الشهيد نايف حمدي حسن الحطاب رياضيا واداريا وتربويا وحمل نادي اتحاد الشجاعية في قلبه اكثر من خمسة وعشرين عاما وترك في مسيرته صفحة مضيئة في تاريخ الرياضة الفلسطينية .
كان ابن الملعب الذي انتقل من المستطيل الاخضر الى العمل الاداري حاملا معه روح اللاعب ووعي القائد ومؤمنا ان الرياضة ليست منافسة على الالقاب والنتائج فحسب بل مساحة للانتماء وبناء الانسان وتعزيز وحدة الوطن .
من المستطيل الاخضر الى قيادة الشجاعية
بدأ نايف الحطاب علاقته بنادي اتحاد الشجاعية لاعبا لكرة القدم وعاش تفاصيل النادي واجياله قبل ان ينتقل الى العمل الاداري ويكرس سنوات طويلة لخدمة ناديه .
تدرج في مواقع المسؤولية فتولى امانة سر النادي عام 2010 ثم نائب رئيس النادي عام 2020 قبل ان يتولى رئاسة مجلس الادارة في اغسطس 2022 ويواصل قيادة النادي حتى استشهاده .
وعلى امتداد هذه المسيرة كان الحطاب حاضرا في ادارة شؤون النادي ومتابعة فرقه الرياضية والعمل على استمرار حضوره في الملاعب رغم الظروف القاسية التي عاشتها غزة والرياضة الفلسطينية تحت الحصار.
** الخليل 2015 رحلة في سجل الرياضة الفلسطينية .
في سجل نايف الحطاب الرياضي والوطني تظل رحلة عام 2015 الى خليل الرحمن واحدة من ابرز المحطات واكثرها دلالة .
ترأس الحطاب بعثة نادي اتحاد الشجاعية التي توجهت من قطاع غزة الى الضفة الغربية لمواجهة اهلي الخليل في نهائي كأس فلسطين .
لم تكن الرحلة انتقالا رياضيا عاديا بين مدينتين فقد جاءت بعد انقطاع رياضي دام نحو خمسة عشر عاما وكانت اول رحلة رياضية من غزة الى الضفة الغربية خلال تلك الفترة .
لذلك تجاوزت الرحلة حدود المباراة فقد خرج فريق الشجاعية من غزة حاملا قميص النادي واسم الحي وذاكرة الجماهير ورسالة قطاع كامل عاش سنوات طويلة خلف قيود الحصار .
وفي مقدمة هذه المهمة كان نايف الحطاب رئيسا للبعثة يحمل مسؤولية فريق يمثل غزة في لحظة رياضية ووطنية استثنائية .
الشجاعية تعبر الحصار وتصل الى الخليل
عندما وصلت بعثة الشجاعية الى الخليل تحول الموعد الرياضي الى مشهد فلسطيني جامع
استقبلت الخليل ابناء غزة والتقت الجماهير واللاعبون والاداريون وكان اللقاء اكبر من مباراة في نهائي كأس فلسطين .
كانت غزة حاضرة في الخليل وكانت الخليل تفتح ابوابها لغزة وكان الملعب يجمع ابناء الوطن الواحد تحت راية الرياضة الفلسطينية .
في تلك اللحظة بدت كرة القدم اقوى من الجغرافيا المفروضة واكثر قدرة على وصل ما قطعه الحصار فقد اعادت الرحلة فتح طريق رياضي بين غزة والضفة بعد سنوات طويلة من الانقطاع .
ومن هنا اصبحت رحلة الشجاعية الى الخليل علامة بارزة في تاريخ الرياضة الفلسطينية ومحطة رمزية في كسر الحصار الرياضي واعادة التواصل بين شطري الوطن وكان نايف الحطاب في قلب هذا الحدث رئيسا للبعثة وشاهدا على لحظة ستبقى في الذاكرة .
** نايف الحطاب في ذاكرة الخليل
في تلك الرحلة التاريخية التي جمعت غزة بخليل الرحمن كان لي شرف الجلوس مع الشهيد نايف الحطاب والاقتراب من شخصيته عن قرب فوجدت فيه رجلا يبعث على الاحترام من اول لقاء صاحب خلق رفيع وادب جم وثقافة واسعة ووقار القائد وروح الرياضي الغيور .
وكان حديثه هادئا وحضوره دافئا وكلمته موزونة يحمل هم الشجاعية بفخر ويحمل فلسطين في وجدانه وكان واضحا ان الرحلة بالنسبة له لم تكن مجرد مباراة او مهمة رياضية بل كانت لقاء وطن وشوقا طال انتظاره.
في الخليل لم نلتق برئيس بعثة رياضية فحسب بل التقينا برجل يحمل تاريخا رياضيا ووطنيا ويؤمن ان كرة القدم يمكن ان تكون جسرا بين ابناء الوطن الواحد وان القميص الرياضي يمكن ان يحمل رسالة اكبر من حدود الملعب .
غادر نايف الخليل لكن صورته بقيت في الذاكرة وبقي حضوره شاهدا على رجل جمع في شخصيته روح الرياضي وحكمة القائد وصدق الانتماء .
** من خدمة النادي الى خدمة الرياضة الفلسطينية
لم يتوقف عطاؤه عند حدود نادي اتحاد الشجاعية فقد امتدت خبرته الى العمل الرياضي الوطني من خلال عضويته في لجنة اعادة صياغة وبلورة الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم .
واسهم من خلال هذه المهمة في تطوير الاطر واللوائح المنظمة للعبة في الجوانب الادارية والفنية والمالية مستندا الى خبرة طويلة اكتسبها من العمل داخل الاندية والمنظومة الرياضية .
وبذلك انتقلت تجربته من حدود النادي الى رحاب الرياضة الفلسطينية ليكون جزءا من مسيرة تطوير اللعبة وتعزيز العمل المؤسسي فيها .
** الرياضي والتربوي والانسان
الى جانب حضوره الرياضي كان نايف الحطاب رجل تربية وتعليم فقد عمل مديرا لمدرسة ذكور البحرين التابعة للاونروا في منطقة تل الهوى بمدينة غزة .
جمع بين الرياضة والتربية في رسالة واحدة تقوم على بناء الانسان وصناعة الاجيال وتعزيز قيم الانضباط والعمل الجماعي والانتماء .
فكان حاضرا في النادي لخدمة الرياضيين وفي المدرسة لخدمة الطلبة وفي المجتمع بوصفه شخصية رياضية وتربوية ومجتمعية تركت اثرا طيبا في كل من عرفه .
** الرحيل في زمن الحرب
في الحادي عشر من سبتمبر عام 2024 استشهد نايف الحطاب في مدرسة الجاعوني التابعة للاونروا في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة والتي كانت تؤوي نازحين جراء غارة إسرائيلية .
رحل عن عمر ناهز تسعة وخمسين عاما بعد مسيرة حافلة بالعطاء الرياضي والتربوي والمجتمعي
وزادت قسوة الفقد باستشهاد نجله خالد في السابع من اكتوبر عام 2023 .
رحل نايف الحطاب جسدا لكن سيرته بقيت حاضرة في ذاكرة الشجاعية وفي تاريخ الرياضة الفلسطينية وفي قلوب كل من عرفه وعاش معه محطات مسيرته .
ارث رياضي وطني لا تغلقه صافرة النهاية
تختصر سيرة نايف الحطاب رحلة رياضي بدأ من المستطيل الاخضر ثم انتقل الى مواقع المسؤولية حتى اصبح رئيسا لنادي اتحاد الشجاعية وعضوا فاعلا في مسيرة تطوير كرة القدم الفلسطينية .
لكن ابرز صفحات هذه السيرة ستبقى مرتبطة برحلة الخليل عام 2015 يوم خرجت الشجاعية من غزة لتعبر المسافة التي فرضها الحصار وتصل الى ابناء الوطن في الضفة .
كانت تلك الرحلة اكثر من مباراة واكبر من كأس كانت رسالة رياضية وطنية تقول ان غزة والضفة جسد واحد وان كرة القدم قادرة على فتح جسور اللقاء عندما تغلق الطرق .
وفي هذه الصفحة تحديدا سيبقى اسم نايف الحطاب حاضرا باعتباره الرجل الذي وقف في مقدمة بعثة الشجاعية في ذلك العبور التاريخي .
** اسم في ذاكرة الشجاعية وفلسطين
من لاعب عشق قميص الشجاعية الى امين للسر ثم نائب للرئيس ورئيس لمجلس الادارة ومن رئيس بعثة حمل فريق غزة الى الخليل الى رجل شارك في بناء وتطوير الرياضة الفلسطينية كانت مسيرة نايف الحطاب اكثر من سيرة رياضي .
كانت سيرة رجل آمن بالانتماء وخدم ناديه ووطنه وترك في الملاعب الفلسطينية اثرا لا تقيسه النتائج وحدها
سيبقى اسمه في ذاكرة الشجاعية وسيبقى حضوره في قصة الخليل شاهدا على مرحلة فارقة من تاريخ الرياضة الفلسطينية .
كلما ارتدى لاعب قميص الشجاعية سيبقى في هذا القميص شيء من رجال حملوه بصدق وكلما التقت غزة والضفة في ملعب فلسطيني ستبقى رحلة الخليل شاهدة على ان الطريق بين ابناء الوطن لا يمكن ان تغلقه الحواجز .
رحم الله الشهيد نايف الحطاب
الرياضي الذي حمل الشجاعية في قلبه وحمل فلسطين في مسيرته وترك للرياضة الفلسطينية سيرة عنوانها الوفاء والانتماء .
فلسطين وطن واحد في القلب والملعب والذاكرة