رمضان بين العبادة وصحة الجسد...
كتب د. ناصر العباسي/ القدس
شهر رمضان المبارك، شهر الإيمان والمغفرة والعمل الصالح والتقرب إلى الله عزّ وجل، وهو ليس شهر الكسل أو الإفراط في الطعام والنوم والسهر، بل فرصة حقيقية لإعادة التوازن للجسد إلى جانب تزكية الروح، وخلال هذا الشهر الفضيل تتغيّر العادات اليومية، ويُتاح للجسم وقت كافٍ للراحة والتنظيم، الأمر الذي ينعكس إيجاباُ على الصحة العامة إذا أُحسن استثماره.
وقد أثبتت الدراسات الرياضية أن للصيام فوائد عديدة على الأداء البدني، إذ يساعد على إراحة أجهزة الجسم المختلفة، ويقلل من تراكم مخلفات التمثيل الغذائي، كما يسهم في تحسين كفاءة عمل الجهاز الهضمي، وتنظيم مستويات الطاقة في الجسم، ويلاحظ المختصون تحسن ملحوظ في نشاط الجسم أثناء الصيام عند الالتزام بأسلوب حياة متوازن، حيث يصبح الجسم أكثر قدرة على استخدام مصادر الطاقة المخزّنة بطريقة فعّالة.
ومما لا شك فيه أن ممارسة الرياضة خلال شهر رمضان تساعد على إذابة الدهون والتخلّص من السعرات الحرارية الزائدة، فالجسم أثناء الجهد البدني يحتاج إلى طاقة إضافية، فيلجأ إلى مخزون الدهون المتراكمة للحصول على هذه الطاقة، وهو ما يساهم في تحسين اللياقة البدنية والمحافظة على الوزن الصحي غير أن ذلك يتطلّب وعيا في اختيار نوع التمارين وشدّتها، حتى لا يتحوّل النشاط الرياضي إلى عبء صحي على الصائم.
ومن هذا المنطلق، ينبغي على الصائم أن يتوخى الحذر عند ممارسة الرياضة خلال فترة الامتناع عن الطعام والشراب، ولا يقوم بمجهود بدني شاق قبل الإفطار بوقت طويل، تجنّباً لنقص السوائل أو انخفاض مستوى سكر الدم، لما لذلك من تأثير مباشر على وظائف الكلى والدورة الدموية. لذلك ينصح خبراء اللياقة بالتركيز على التمارين الخفيفة والمتوسطة الشدّة، مع البدء دائما بتمارين الإحماء التي تنشط الدورة الدموية وتُعدّ الجسم للحركة الآمنة.
ويرى المختصون أن التمارين السويدية وتمارين الأيروبيك الخفيفة تُعد من أنسب الخيارات خلال الصيام، إذ تعمل على زيادة مرونة الجسم وتنشيط عملية الأيض دون التسبّب في فقدان كبير للسوائل، ويفضل أن تكون هذه التمارين في معظمها أرضية وتركّز على تقوية عضلات البطن والفخذين، مع الحرص على إنهاء التمرين بحركات استرخاء بسيطة تساعد العضلات على العودة إلى وضعها الطبيعي وتقلّل من الشعور بالإجهاد.
أما عن التوقيت الأنسب لممارسة الرياضة في شهر رمضان، فهو يختلف من شخص إلى آخر بحسب قدرته البدنية وحالته الصحية وعمره، إلا أن الرأي الغالب يشير إلى أن أفضل وقت أثناء الصيام يكون قبل الإفطار بنحو نصف ساعة، بحيث يتمكن الصائم من تعويض السوائل والطاقة المفقودة فور الإفطار. كما يمكن ممارسة التمارين بعد الإفطار بساعتين إلى ثلاث ساعات، بعد أن يكون الجسم قد أنهى عملية الهضم وحصل على ما يحتاجه من طاقة.
ويُراعى عند الإفطار تناول الماء أو العصائر بشكل تدريجي، وبدرجة حرارة معتدلة، حتى لا تتعرّض المعدة للتمدد المفاجئ أو التقلّص، وهو ما يساعد الجسم على الاستفادة بشكل أفضل من الغذاء والسوائل بعد ساعات الصيام الطويلة.
وفي الختام، فإن ممارسة الرياضة في شهر رمضان، عند الالتزام بالتوازن والاعتدال، تسهم في تنشيط الدورة الدموية، وتعزيز قدرة الجسم على التخلّص من السموم، وزيادة الشعور بالراحة والسكينة، ويؤكّد ذلك أن رمضان ليس مبرراً لترك الرياضة، بل فرصة حقيقية لاعتماد نمط حياة صحي يجمع بين العبادة، والنشاط البدني، والحفاظ على صحة الجسد.