"الرئة الثانية من الوطن عادت تتنفس"... غزة تعود للحياة من بوابة الرياضة
المهندس سامر نسيبة/ رئيس الاتحاد الفلسطيني للثقافة الرياضية
حين ينتصر الأمل على الركام لم تكن غزة يومًا مدينة عادية، ولم تكن الرياضة فيها مجرد نشاط ترفيهي يُمارس في أوقات الفراغ،، هنا، في هذه البقعة التي اعتادت أن تنهض من تحت الركام، تتحول الرياضة إلى فعل بقاء، وإلى وسيلة مقاومة ناعمة تُعيد للناس شيئًا من توازنهم الإنساني وسط الفوضى.
اليوم، تعود "الرئة الثانية للوطن" لتتنفس من جديد… ولكن هذه المرة عبر نبض الملاعب، وصدى الصافرات، وخطوات العدّائين على الرمال، وضحكات الأطفال التي تتسلل من بين خيام النزوح... مشهدٌ لا يمكن قراءته فقط كعودة رياضية، بل كحالة نهوض جماعي تُعلن أن غزة، رغم كل شيء، ما زالت قادرة على الحياة.
ضمن خطة التعافي الرياضي التي أعدتها اللجنة الأولمبية الفلسطينية، والتي يتابع تنفيذها عن كثب الفريق جبريل الرجوب، وبإشراف مباشر من نائب رئيس اللجنة الدكتور أسعد مجدلاوي، بدأت ملامح الحراك الرياضي تتجدد في قطاع غزة، ليس فقط في المنشآت التي نجت، بل حتى في المساحات البديلة التي فرضها الواقع.
في غزة، لا تحتاج الرياضة إلى ملاعب مكتملة أو صالات حديثة لتُولد من جديد، يكفي شريط من الأرض، أو مساحة بين خيام النازحين، أو حتى شاطئ البحر، لتبدأ الحكاية.
فهنا، تُصنع الإرادة من العدم، وتُبنى الأحلام على أبسط الإمكانيات،، المدربون عادوا إلى مواقعهم، واللاعبون إلى شغفهم، والأطفال إلى ألعابهم… وكأن الجميع اتفق دون إعلان على أن الرياضة ليست رفاهية، بل ضرورة نفسية ووطنية، هي العلاج الذي لا يُوصف في وصفات طبية، لكنها تشفي القلوب وتُرمم ما كسرته الحرب.
هذا الحراك الرياضي لا يمكن فصله عن البعد الإنساني... فحين ترى طفلاً يركض خلف كرة بين الخيام، تدرك أن الحياة أقوى من الموت، وأن الأمل لا يحتاج إلى إذن ليولد،، وحين يعود فريق للتدريب في ملعب متواضع، فأنت أمام رسالة واضحة: نحن هنا… باقون.
غزة اليوم تُعيد تعريف الرياضة، وتمنحها معنى أعمق من الفوز والخسارة. هنا، الانتصار الحقيقي هو القدرة على الاستمرار، على الوقوف مجددًا، على خلق لحظة فرح وسط واقع قاسٍ.
وهنا، تصبح كل مباراة بطولة، وكل لاعب بطل، وكل ابتسامة إنجاز، ما يحدث ليس مجرد "عودة نشاط"، بل هو استعادة لروح مجتمع بأكمله، فالرياضة كانت وستبقى أحد أعمدة الهوية الفلسطينية، ووسيلة للحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي، خصوصًا في أوقات الأزمات.
وفي الوقت الذي قد ينشغل فيه العالم بأرقام وإحصاءات، تكتب غزة قصتها بطريقة مختلفة… قصة عنوانها الإرادة، وفصولها العزيمة، ونهايتها المفتوحة على الأمل... نعم، عادت غزة تتنفس… ليس فقط بالهواء، بل بالحياة.